ابن عجيبة

145

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

في أهل السماوات : إن اللّه يحب فلانا فأحبّوه ، فيحبّه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض » « 1 » . أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى : وَاغْفِرْ لِأَبِي . . إلخ . قال القشيري : هذا عند العلماء : إنما قاله قبل يأسه من إيمانه ، وعن أهل الإشارة : ذكر في وقت غلبة البسط ، وتجاوز ذلك عنه ، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شئ ، وأكثر ما فيه : أنه لا يجيبه في ذلك ، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب ، وهذا لا يهتدى إليه كلّ أحد . ه . قال المحشى : وينظر لما قاله العلماء ، وبه الفتوى ، قوله : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ « 2 » ، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة ، وتكلمه فيه بقوله : ( وأىّ خزى أعظم من كون أبى في النار . . ) الحديث ، وكذا قوله : وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 3 » ، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة ، على سعة العلم ، ومثله استغفار نبينا صلى اللّه عليه وسلم لابن أبىّ ، وصلاته عليه ، وانظر الطيبي في آية : وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً « 4 » . ه . وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، أظهر ما قيل في القلب السليم : أنه السالم من الشكوك والأوهام ، والخواطر الردية ، ومن الأمراض القلبية ، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل ، يخرجه من الأوصاف البشرية ، إلى الأوصاف الروحانية ، ويحققه بالحضرة القدسية ، وإلا بقي مريضا ، حتى يلقى اللّه بقلب سقيم . وفي الإحياء : السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا ، والجود بالمال من عوارض الدنيا ، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما ، أي : لا يكون ملتفتا إلى المال ، ولا يكون حريصا على إمساكه ، ولا حريصا على إنفاقه ؛ فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق ، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك . وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا . وقال الداراني : القلب السليم هو الذي ليس فيه غير اللّه تعالى . ه . وقال الجنيد رضي اللّه عنه : السليم في اللغة : اللديغ ، فمعناه : كاللديغ من خوف اللّه تعالى . ه . وبالله التوفيق . ثم ذكر هول ذلك اليوم ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 90 إلى 104 ] وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ( 91 ) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 ) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ ( 96 ) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ ( 99 ) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ( 101 ) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 104 )

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الأدب ، باب المقة « المحبة » من اللّه ح 6640 ) ومسلم في ( البر والصلة ، باب إذا أحب اللّه عبدا حبّبه إلى عباده ، 4 / 2030 ، ح 2637 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) من الآية 114 من سورة التوبة . ( 3 ) من الآية 36 من سورة إبراهيم . ( 4 ) من الآية 7 من سورة غافر .